السيد عبد الأعلى السبزواري
64
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [ سورة الفتح ، الآية : 29 ] ، لأنّه يدلّ على مزيد عناية ، بتقريره وإنشاء الوعد صريحا من غير دلالة عليه ضمنا ، بخلاف آية الفتح . والمغفرة : الستر ، أي أنّ إيمانهم وعملهم الصالح يوجبان غفران اللّه تعالى لهم بستر ذنوبهم ومحو آثارها من نفوسهم . وأما الأجر العظيم ، فهو الجزاء المضاعف الذي لا حدّ لعظمته ، لأنّ المفاض منه كذلك . قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ . بيان لفرد آخر ممّن يعلمه اللّه تعالى ، ومن سنّته عزّ وجلّ في القرآن الكريم أن يقرن الوعد بالوعيد ، ويذكر الطائفتين المؤمنة والكافرة ، إتماما للحجّة وإيضاحا للمحجّة ووفاء بحقّ الدعوة ، ولأنّ الجمع بين الترغيب والترهيب من الأساليب البديعة في الكلام . والجحيم اسم من أسماء النار - أعاذنا اللّه تعالى منها - وهو مأخوذ من الجحمة ، وهي شدّة تأجّج النار ، كما أنّه اسم لدرك من دركات النار . وإنّما جمع عزّ وجلّ بين الكفر وتكذيب الآيات ، إما لبيان أنّ الكفر كان عن عناد واستكبار ، ولأجل الإعلام بأنّ كفرهم بلغ إلى حدّ إنكار الحقّ مع العلم بكونه حقّا ، فيخرج من لم يبلغ كفره كذلك كما في كفر المستضعفين . أو الإيماء إلى أنّ كفرهم بلغ حدّ النكوص عن طاعة اللّه تعالى بالإعراض عن أنبيائه وتشريعاته . وكيف كان ، فقد ذكر عزّ وجلّ الحدّ بين الطاعة والإعراض ، ولكلّ منهما مراحل متعدّدة ومنازل كثيرة ، وعلى اختلافها تختلف درجات الثواب والعقاب . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ . تذكير للمؤمنين بما أنعم عليهم من النصر والعزّة والغلبة على الأعداء والمشركين ، وحفظهم من مكائدهم وشرورهم ، والآية المباركة تشمل جميع ألطافه عزّ وجلّ على المؤمنين التي خصّهم بها في جميع الغزوات والوقائع التي دارت بين